الراغب الأصفهاني

485

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

وفي بعض التفاسير فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ، قالوا : ما دعوه وما رفعوا أيديهم ولم يبسطوا راحتهم ولا حركوا أصابعهم . ولما صاف قتيبة الترك وهاله أمرهم سأل عن محمد بن واسع فقالوا : ها هو ذا في أقصى الميمنة جانحا على سية قوسه ، يبصبص بأصابعه نحو السماء فقال قتيبة : تلك الأصابع الفاردة أحب إليّ من مائة ألف سيف شهير وسنان طرير . ذمّ رفع اليدين واستعمال السبحة رأى شريح رجلا يدعو ربه رافعا يديه إلى السماء فقال له : غض بصرك وكف يديك فإنك لن تراه ولن تناله . ومرّ عمر بن عبد العزيز برجل يسبح بالحصى فإذا بلغ المائة عزل حصاة ، فقال له : ألق الحصى وأخلص الدعاء . شكر اللّه تعالى على نعمه قال اللّه تعالى : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ « 1 » وقال الحسن في قوله تعالى : إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ « 2 » قال : ينسى النعم ويذكر المصائب . وقالت هند بنت المهلب : إذا رأيتم النعيم مستدرا فبادروه بالشكر قبل الزوال . إلهي قد أوليتني منائح تعيد باع الحمد قصيرا وترد لسان الشكر حسيرا ، فأجرني ما عودتني وأنجز أفضل ما وعدتني ، إلهي لك الحمد على النعم . ما اختلفت يمين وشمال ولك الشكر ما هبت جنوب وشمال . وقال بعضهم اللّهم إنك تعرف عجزي عن الشكر فاشكر نفسك عني . الدعاء بإزالة الخوف والبلاء المخوف حكي عن سيد بن داود قال : رأيت عفان بن مسلم يمضي به ليمتحن فقلت له : قف يا شيخ أعطك كلمات فإنك لن ترى إلّا خيرا ، قل حسبي اللّه ونعم الوكيل فإن اللّه تعالى يقول : فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ « 3 » وقل : وأفوض أمري إلى اللّه إن اللّه بصير بالعباد فإنه يقول فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا « 4 » وقل : ما شاء اللّه ، لا قوة إلا باللّه . قال عفان فقلتها فما رأيت إلا خيرا . ويروى أن رجلا أخافه عبد الملك فهرب منه فلقيه شيخ وسيم بأرض فلاة فقال ما قصتك ؟ قال : خائف . قال : ومن أخافك ؟ قال : عبد الملك ، قال : فأين أنت عن السبع ؟ فقال : لا أعرفها . فقال : قل سبحان الواحد الذي ليس غيره إله ، سبحان الدائم الذي لا يعاد له شيء ، سبحان الذي خلق ما يرى وما لا يرى سبحان الذي علم كل شيء بغير تعلم . قال : فقلتها

--> ( 1 ) القرآن الكريم : إبراهيم / 7 . ( 2 ) القرآن الكريم : العاديات / 6 . ( 3 ) القرآن الكريم : آل عمران / 174 . ( 4 ) القرآن الكريم : المؤمن / 45 .